وهبة الزحيلي
248
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بين عمر وشخص آخر ، وآخى بين عثمان ورجل من بني زريق ، وآخى بين الزبير وكعب بن مالك « 1 » . ويؤكد هذا المعنى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الشيخان عن ابن عباس : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية » والمراد : بطل حكم الهجرة وزالت الأحكام المترتبة عليها كالتوارث بها . إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً أي ذهب الميراث بالتآخي ، وبقي حكم الوصية والنصر والبر والصلة والإحسان ، أي إلا أن توصوا إلى أصدقائكم الذين توالونهم وتودونهم من المؤمنين والمهاجرين وصية ، والمعروف هنا : الوصية ، ومن المعلوم أن الدّين والوصية مقدّمان شرعا على الميراث ، كما قال تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ [ النساء 4 / 11 ] . ومعنى الآية : إن أوصيتم فغير الوارثين أولى ، وإن لم توصوا فالوارثون أولى بميراثكم وبما تركتم . كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً أي إن هذا الحكم ( وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض ) حكم من اللّه مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يبدّل ولا يغير ، وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت ما ، لمصلحة مؤقتة ، وحكمة بالغة ، وهو يعلم أنه سيغيره إلى ما هو جار في قدره الأزلي ، وقضائه القدري التشريعي . وبعد بيان مكانة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بين المؤمنين ، أبان اللّه تعالى سمو مهمته وعلو منزلته في تبليغ الشرائع ، والدعوة إلى دين اللّه ورسالة ربه ، ووفائه بتلك المهمة ، عملا بمقتضى ميثاق النبيين في أنهم يبلغون رسالات اللّه ، وكأنه تعالى من بداية السورة إلى هنا قال لنبيه تعليما للأمة ، اتق اللّه ، ولا تخف أحدا ، واذكر
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 3 / 468